المنشطات في كرة اليد.. فائدة مؤقتة وثمن لا يُعوّض

في كل مرة ينشر خبر عن لاعب أوقف بسبب المنشطات، يتجدد السؤال الذي يبدو بسيطًا في ظاهره، معقّدًا في جوهره: لماذا يختار اللاعب هذا الطريق؟ ما الذي يدفع محترفًا قضى سنوات من التدريب والانضباط إلى اتخاذ قرار قد ينسف مسيرته بالكامل؟
في كرة اليد، كما في كثير من الألعاب الرياضية التي تعتمد على الاحتكاك البدني، يعيش اللاعب داخل دائرة ضغط لا تهدأ. إصابة مفاجئة قد تخرجه من التشكيلة، منافس جاهز ينتظر الفرصة، إدارة تبحث عن نتائج، وجمهور لا يرحم. وسط هذا المشهد، يصبح الزمن هو الخصم الأول، ويصبح التعافي السريع حلمًا يطارد اللاعب ليلًا ونهارًا. وهنا يبدأ الإغراء: حل سريع، حقنة تعيد الجسد إلى سابق عهده، أو مادة تخفف الألم وتسمح بالعودة قبل الموعد.
قصة اللاعب الألماني نيلز كريتشمر ليست مجرد حالة فردية، بل مرآة لواقع يعيشه كثيرون. الرجل لم يختبئ خلف الأعذار، بل اعترف بأن ما فعله كان أكبر خطأ في حياته. لم يكن يبحث عن التفوق غير المشروع، بل عن ركبتيه اللتين خانتاه في لحظة حاسمة. ظن أن الطريق المختصر سيعيده إلى الملعب، لكنه اكتشف أن هذا الطريق قد يكون أقصر مما تخيل… وأقرب إلى النهاية.
المشكلة أن المنشطات تجعل للاعب متفوقا بصورة مؤقتة، لكنها في الحقيقة تخلق مشكلة دائمة. قد تمنح قوة إضافية، أو تسريعًا في التعافي، لكنها تسلب اللاعب أهم ما يملك: الثقة. ثقة الجمهور، ثقة الفريق، وثقته بنفسه. والأسوأ من ذلك، أنها قد تسلبه صحته على المدى الطويل.
اليوم، أصبحت مكافحة المنشطات أحد أهم ملفات الرياضة العالمية. أكثر من 310 آلاف فحص سنويًا تُجرى لحماية نزاهة المنافسة، وللتأكيد أن الفوز يجب أن يكون نتيجة جهد، لا نتيجة مؤثر خارجي. هذه الأرقام ليست مجرد إجراءات تنظيمية، بل رسالة واضحة: الرياضة لم تعد تقبل الأعذار، ولا تتسامح مع أساليب التدليس.
قصة كريتشمر تذكير بأن اللاعب ليس مجرد موهبة، بل عقل يختار، ويقرر، ويتحمل تبعات قراراته. الضغط جزء من اللعبة، لكن الوعي أصبح جزءًا من الاحتراف. والخطأ، مهما كان قاسيًا، يمكن أن يتحول إلى درس يصنع مستقبلًا مختلفًا إذا فهم اللاعب قيمته.
في النهاية، تبقى كرة اليد —وغيرها من الألعاب الرياضية — قائمة على النزاهة. اللاعب الذي يختار الطريق السريع قد يربح أسبوعًا أو شهرًا، لكنه يخسر سنوات من العمل والعرق. والرياضة، في جوهرها، لا تكافئ من يصل أولًا… بل من يصل صحيحًا.
بقلم : محمد الضامن






