الألعاب المختلفة تحت ظل كرة القدم … تشوّه إداري تكشفه الحوكمة في الأندية الرياضية

تشهد الرياضة السعودية مرحلة انتقالية مع تطبيق حوكمة العمل الإداري والمالي داخل الأندية، وهو تحول أثار تساؤلات واسعة بين الإداريين تصلني حول كيفية إعادة ضبط المنظومة الرياضية بما يضمن استدامتها. وقد كشفت هذه المرحلة عن إشكالية جوهرية تتمثل في الخلط بين كرة القدم وبقية الألعاب الجماعية والفردية، وهو خلط تراكمت آثاره عبر سنوات طويلة وأدى إلى اختلالات مالية وإدارية واضحة. ورغم أن الحوكمة أسهمت في كشف حجم الخلل، فإنها لم تتمكن من معالجة جذوره بشكل كامل.
وتبقى كرة القدم، بحكم شعبيتها وجاذبيتها للرعايات والإعلام، النشاط الأكثر تأثيراً داخل الأندية، إلا أن هذا التفوق تحول تدريجياً إلى هيمنة جعلت بقية الألعاب تعيش في ظلها مهما حققت من إنجازات. فوز فرق الطائرة أو السلة أو اليد لا يوازي في تأثيره خسارة فريق أشبال في كرة القدم، وهو واقع رسّخ ثقافة غير عادلة داخل الأندية وأضعف حضور الألعاب الأخرى.
وتتجلى المشكلة بوضوح في الطريقة التي تُعامل بها الألعاب المختلفة، إذ تُستخدم مداخيلها في كثير من الأحيان لسد احتياجات كرة القدم، رغم أنها تعاني أصلاً من ضعف الرعايات وقلة الاهتمام. هذا النموذج يفاقم ضعف الألعاب الأخرى، بينما تستمر كرة القدم في استهلاك الجزء الأكبر من الموارد دون ضوابط مالية كافية. ويزداد الوضع تعقيداً حين تطلب الوزارة الالتزام بالحوكمة، لكنها في الوقت نفسه تسمح باستخدام مداخيل الألعاب المختلفة لمعالجة ديون كرة القدم، في محاولة لحماية الأندية من الانهيار المالي. وهنا يظهر تعارض واضح بين متطلبات الحوكمة والواقع المالي الذي تعيشه الأندية.
هذا الوضع يقود عملياً إلى نتيجتين: إضعاف الألعاب المختلفة أو تقليصها إلى الحد الأدنى، واستمرار كرة القدم في الإنفاق بلا حدود واضحة. ويصاحب ذلك غياب للتخطيط المالي، حيث تُبرم إدارات الأندية عقوداً دون ضمان القدرة على السداد، فتتراكم الديون عاماً بعد عام، ثم تأتي الحوكمة لتفرض الالتزام بميزانيات غير مبنية على أسس صحيحة، فيبقى الخلل قائماً.
وفي ظل هذا المشهد، يبرز سؤال مهم حول جدوى فصل الألعاب المختلفة عن كرة القدم. هذا الخيار قد يحقق فوائد ملموسة، مثل استقلال ميزانية كل لعبة، وفتح المجال أمام رعايات خاصة، وكشف كفاءة الإدارات بعيداً عن ظل كرة القدم، إضافة إلى تعزيز قيمة الألعاب المختلفة لدى الجماهير. غير أن هذا الفصل يحتاج إلى تشريعات واضحة، ونموذج مالي وتشغيلي مستقل، وشركات متخصصة لإدارة كل نشاط.
وقبل الوصول إلى الفصل الكامل، يبدو من الواقع اعتماد نموذج وسيط يقوم على إنشاء شركات تشغيل مستقلة داخل النادي؛ شركة لكرة القدم، وأخرى للألعاب المختلفة، وثالثة للاستثمار والرعايات. هذا النموذج مطبق في عدد من الدول وأثبت فعاليته لأنه يوضح المسؤوليات ويحد من التداخل الذي يربك الأندية ويستنزف مواردها.
وخلاصة ما يتفق عليه الإداريون، وما تعكسه استفساراتهم حول الحلول المناسبة، أن معالجة التحديات الحالية لن تتحقق ما لم تُعالج جذور الخلل عبر تحديث البنية الإدارية والمالية داخل الأندية. فاستمرار الخلط بين كرة القدم وبقية الألعاب سيبقي الألعاب الأخرى الحلقة الأضعف، بينما تستمر كرة القدم في استهلاك معظم الموارد. ومن هنا تأتي الحاجة إلى تبني نموذج إداري متوازن يقوم على الحفاظ على هوية النادي، والالتزام بالحوكمة، وتحقيق الاستدامة المالية، بما يضمن رفع كفاءة العمل وتعزيز الحضور الرياضي والمجتمعي للأندية في المرحلة المقبلة.
بروفسور عبد العزيز المصطفى





