نحو نموذج احترافي لكرة اليد

وصلتني رسالة من أحد المتابعين والمهتمين برياضة كرة اليد، نقلها الإعلامي المبدع زهير الضامن، تحمل رؤية متقدمة تنبض بالطموح، وتستند إلى تجربة ميدانية ثرية بقراءة دقيقة لاحتياجات اللعبة واستحقاقات تطويرها. وقد طرح فيصل أبو عبد الله سؤالًا مفصليًا يعكس وعيًا ناضجًا بمتطلبات المرحلة، إلى متى ستظل اللعبة رهينة الاجتهادات الفردية والممارسات الارتجالية، في وقت أصبحت فيه الرياضة الحديثة تقوم على التخطيط والاحترافية والمنظومات المتكاملة؟ لقد آن الأوان للانتقال إلى نموذج مؤسسي يعيد لكرة اليد بريقها، ويمنحها القدرة على المنافسة وصناعة الإنجاز بشكل مستدام.
ولتحقيق هذا المستوى الاحترافي، يقوم أي مشروع تطويري جاد على أربعة محاور رئيسية تشكّل الأساس لبناء منظومة قوية وفاعلة:
- معايير دقيقة لاختيار اللاعبين تعتمد على الكفاءة والموهبة والجاهزية البدنية، من خلال منصة رقمية ترصد المؤشرات البدنية والفنية لكل لاعب وتوفر بيانات موضوعية لاتخاذ القرار.
- برامج تدريب حديثة تستند إلى منهجيات احترافية، بحيث يتحول التدريب إلى عملية إنتاج مستمرة تُوثّق وتُحلّل، ويُنشأ لكل لاعب ملف رقمي يُظهر تطوره بشكل دوري.
- تمويل مستدام يحوّل الفريق من عبء مالي إلى أصل اقتصادي، عبر تطوير لاعبين ذوي قيمة سوقية قابلة للاستثمار، مما يخلق دورة مالية تدعم النادي وتضمن استمراريته.
- إدارة احترافية تعتمد على التخطيط والمتابعة وفق معايير واضحة، بعيدًا عن الاجتهادات الفردية، وبما يضمن استقرار العمل ووضوح المسار.
ولكي تتحول هذه المحاور من إطار نظري إلى منظومة عمل حقيقية تُحدث فرقًا ملموسًا في مستوى اللعبة، لا بد من اعتماد آلية تنفيذ واضحة تقوم على خطوات مترابطة ومتكاملة:
- بناء منصة رقمية موحدة لاختيار اللاعبين
- تطوير قاعدة بيانات وطنية تُسجَّل فيها المؤشرات البدنية والفنية لجميع اللاعبين في مختلف الفئات.
- اعتماد اختبارات قياس معيارية تُجرى بشكل دوري لضمان دقة التقييم.
- ربط الأندية ومراكز التدريب بالمنصة لضمان توحيد المعايير وتدفق البيانات بشكل مستمر.
- تطبيق البرامج التدريبية الاحترافية
- إعداد مناهج تدريبية حديثة تعتمد على الأساليب العلمية المتقدمة في كرة اليد.
- تدريب المدربين على استخدام أدوات التحليل الرقمي وتوثيق الأداء.
- إنشاء ملف رقمي لكل لاعب يُحدّث أسبوعيًا، ويُستخدم لتحديد نقاط القوة والضعف ومسار التطور.
3. تأسيس نموذج تمويل مستدام
- تحويل تطوير اللاعبين إلى مسار استثماري يرفع من قيمة النادي ويخلق مصادر دخل جديدة.
- إنشاء صندوق دعم للمواهب تُعاد تدوير عوائده في تطوير الفئات السنية والبنية التحتية.
- تفعيل آليات البيع والإعارة وفق معايير احترافية تضمن الاستفادة المالية طويلة المدى.
- ترسيخ الإدارة الاحترافية
- وضع هيكل تنظيمي واضح يحدد الأدوار والمسؤوليات ويمنع الارتجال.
- اعتماد نظام متابعة أسبوعي وشهري لقياس التقدم في الجوانب الفنية والإدارية.
- استخدام لوحات مؤشرات رقمية تساعد في اتخاذ القرار بناءً على بيانات دقيقة وشفافة.
وخلاصة القول إن تطوير كرة اليد لن يتحقق ما دامت أسيرة الاجتهادات الفردية والعمل الارتجالي. فالمرحلة الحالية تتطلب انتقالًا حقيقيًا نحو منظومة احترافية تعتمد على التخطيط والبيانات والاستدامة. ولتحويل هذه المحاور إلى واقع، يصبح من الضروري العمل الجاد على تشكيل فريق عمل داخل الاتحاد يتولى دراسة الفكرة بعمق، ووضع تصور تنفيذي واضح، وتحديد المتطلبات الفنية والمالية والتشغيلية اللازمة لتحقيقها.
إن تبنّي هذا النهج المؤسسي سيمنح اللعبة القدرة على استعادة بريقها، وبناء منظومة قادرة على صناعة الإنجاز ورفع مستوى المنافسة محليًا ودوليًا، بما يضمن تطورًا مستدامًا ينعكس إيجابًا على الأندية والمنتخبات خلال السنوات المقبلة.
بروفسور عبد العزيز المصطفى






