يقولون

دوري الدرجة الأولى لكرة اليد… من منصة تطوير إلى محطة تكديس للاعبين

لم يعد القلق على مستقبل دوري الدرجة الأولى لكرة اليد مجرد حديث عابر في أروقة الأندية أو المجالس الرياضية، بل تحوّل خلال الفترة الماضية إلى قضية مطروحة على نطاق واسع بين الإداريين والإعلاميين واللاعبين والمهتمين باللعبة. فالمؤشرات الحالية لمسار الدوري تثير تساؤلات جدّية حول قدرته على أداء دوره الطبيعي كقاعدة أساسية لصناعة المواهب وبناء الأجيال المقبلة. وفي ظل هذا الواقع، يبرز سؤال ملحّ: هل ما يزال دوري الدرجة الأولى قادرًا على أداء رسالته بوصفه الرافد الحقيقي لكرة اليد السعودية، أم أنه يسير نحو فقدان هذه الوظيفة الحيوية إذا استمر الوضع على حاله؟

ولم يعد هذا الخلل أمرًا يمكن تجاوزه بوصفه مرحلة عابرة، بل تحوّل إلى نمط شبه ثابت في تركيبة الدوري وطبيعة منافساته. فالمباريات التي كان يُفترض أن تكون ساحة لاختبار المواهب الصاعدة، أصبحت في كثير من جولاتها صراعًا بين خبرات مستهلكة تبحث عن فرصة أخيرة للبقاء في دائرة الضوء، على حساب منح المساحة الموهوبين القادمين. ونتيجة لذلك، تقلّص هامش التجربة والتطوير، وغابت الرؤية طويلة المدى التي توازن بين المنافسة الآنية وبناء المستقبل.

ويبرز في هذا السياق دور الجهات المشرفة والأندية على حدّ سواء، إذ إن استمرار هذا الواقع يطرح تساؤلات عن جدوى السياسات الحالية في إدارة الدوري، وعن مدى ارتباطها بالأهداف الاستراتيجية لتطوير اللعبة ورفع قاعدة الممارسين. فالدوري الذي يُفترض أن يكون جسر العبور الطبيعي بين الفئات السنية والدوري الممتاز، بات في كثير من الأحيان حلقة مفقودة لا تؤدي وظيفتها كما ينبغي.

إن إعادة الاعتبار لدوري الدرجة الأولى لا تبدأ فقط بإصلاحات شكلية في جدول المسابقة أو عدد فرقها، بل تتطلب مراجعة شاملة لفلسفته ودوره في المنظومة الرياضية، من خلال تشديد اللوائح الخاصة بإشراك اللاعبين الشباب، وربط الدعم المالي بمعايير التطوير، ووضع برامج فنية وإدارية واضحة تُلزم الأندية بالعمل على صناعة اللاعب لا استهلاكه. دون ذلك، سيظل الدوري يدور في حلقة مفرغة، ويتحوّل تدريجيًا من مصنع للمواهب إلى محطة انتظار بلا أثر حقيقي في مستقبل كرة اليد.

وتبرز هنا مجموعة من التساؤلات الجوهرية: هل تكمن المشكلة في شكل الدوري نفسه؟ أم في أداء الجهة المنظمة؟ أم في ضعف قدرات أندية الدرجة الأولى؟ أم في غياب رؤية واضحة للمنتخبات؟ هذه الأسئلة ليست منفصلة، بل مترابطة، ولا يمكن معالجة أحدها دون النظر إلى الأخرى. وقد رأى بعض المهتمين أن الخلل ناتج عن خليط من هذه العوامل مجتمعة، بينما لم يقدّم آخرون أي تعقيب، ما يزيد الحاجة إلى تشخيص دقيق يحدد مكامن الخلل بوضوح.

إن استمرار الوضع الحالي يهدد بإضعاف قاعدة كرة اليد السعودية، ويؤثر على استدامة تطوير اللعبة على المدى الطويل، ما يجعل الإصلاح ضرورة استراتيجية لا يمكن تأجيلها. ولأن المشكلة شاملة ومتداخلة، فإن الحلول يجب أن تكون شاملة أيضًا، وتشمل اللاعبين والأندية والجهة المنظمة والمنتخبات معًا.

 

 أبرز المقترحات العملية التي يمكن أن تسهم في تصحيح المسار قبل النظر في دمج الجهة الثانية مع الأولى—وهو أمر يصعب تحقيقه دون مبررات واضحة أو دراسة متعمقة—ما نأمل العمل عليه يتمثل في الآتي

  • إجراء تقييم شامل للوضع الراهن خطوة أساسية قبل الشروع في أي تغيير أو تطوير أو دمج، وذلك عبر الإجابة بوضوح عن مجموعة من الأسئلة الجوهرية التي تُحدد مصدر المشكلة الحقيقي، مثل:
  • هل تكمن الإشكالية في شكل الدوري نفسه من حيث نظامه، عدد فرقه، أو آليات الصعود والهبوط؟
  • أم في أداء الجهة المنظمة من حيث التخطيط، المتابعة، والحوكمة؟
  • أم في ضعف قدرات أندية الدرجة الأولى فنيًا أو ماليًا أو إداريًا؟
  • أم في غياب رؤية واضحة للمنتخبات تؤثر على ترابط المنظومة الكروية ككل؟

كل محور من هذه المحاور يمثل مشكلة مستقلة تحتاج إلى معالجة جادة، ولا يمكن التعامل معها ككتلة واحدة دون تشخيص دقيق يحدد الأولويات ويُظهر أين يجب أن يبدأ الإصلاح.

هذه الإجراءات لا تمثل حلولًا نهائية، وإنما رؤية أولية تدعو إلى إعادة النظر في واقع دوري الدرجة الأولى، بما يضمن عودته إلى دوره الحقيقي كمرحلة تأسيسية لصناعة المواهب، وأن يبقى رافدًا أساسيًا للمنتخبات والأندية. فالغاية هي أن يؤدي الدوري وظيفته التطويرية، بدل أن يتحول إلى محطة مؤقتة للاعبين الخارجين من منافسات الدوري الممتاز دون إضافة فنية أو استراتيجية للمنظومة.

بروفسور عبد العزيز المصطفى

 

يمكنكم الآن استقبال الأخبار عبر رابط قناة الصحيفة، كل ما عليكم هو متابعة القناة

https://whatsapp.com/channel/0029VaZJEak4NVigg4qfn91R

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com