يقولون

العربي القطري – قصة بناء كرة اليد الحديثة ورؤية مستقبلية فريدة

كتب-جاسم الفردان

شهد العربي القطري خلال الموسم الرياضي 2025-2026 نموذجًا استثنائيًا في إدارة لعبة كرة اليد، بعدما نجح في الجمع بين التخطيط الاستراتيجي، والتنمية المستدامة للمواهب، وتحقيق الإنجازات على مختلف المستويات. هذه النجاحات لم تكن وليدة المصادفة، بل جاءت نتيجة رؤية واعية لمجلس الإدارة أدركت أهمية البناء طويل الأمد، والاستثمار الذكي في الموارد الفنية والمالية.

مرحلة أولى – قراءة ذكية لجدول الموسم

بحسب مصادر مطلعة، بدأت خطة البناء بقراءة دقيقة لجدول المباريات، حيث تم تقسيم الموسم إلى أربع مراحل واضحة. وجاءت الخطوة الأولى باستثمار الجولات الخمس الأولى، التي اعتُبرت متوسطة من الناحية الفنية، عبر إعارة أبرز اللاعبين إلى أندية خارجية، بهدف تقليل الأعباء المالية على مستوى الرواتب الشهرية، ومنح اللاعبين احتكاكًا أقوى ينعكس إيجابًا على الفريق عند عودتهم.

وفي هذا السياق، تمت إعارة اللاعب التشيكي ستانسلاف كاشبراك إلى الاهلي المصري لمدة شهر للمشاركة في بطولة الأندية الإفريقية أبطال الدوري، وبطولة العالم للاندية سوبر غلوب التي اقيمت في العاصمة المصرية القاهرة مما يعكس قيمته الفنية وخبرته في البطولات الكبرى.

كذلك أُعير اللاعب الفرنسي سادو ناتانزي، الذي سبق له تمثيل باريس سان جبرمان وخاض تجربة مع نادي تاتابانيا المجري، إلى أحد الأندية الألمانية لمدة خمسة أشهر ( ميلسغين )، في خطوة وفّرت على النادي رواتبه وأسهمت في إنعاش ميزانية اللعبة. كما عاد المصري عمر الفولي إلى صفوف الفريق الأول بعد انتهاء إعارته التي استمرت موسمين مع الزمالك في ديسمبر 2025، ليشكل إضافة فنية مهمة في المرحلة الحالية.

استقرار فني بقيادة دانيلو

على مستوى الجهاز الفني، يواصل المدرب المقدوني-الفرنسي دانيلو قيادة الفريق منذ الموسم الماضي، بعدما نجح في تحقيق ثلاثية محلية تمثلت في الدوري القطري، وكأس الاتحاد، وبطولة الخليج للاندبة إلى جانب وصافة كأس قطر وكاس الامير، هذا الاستقرار الفني عزز من استمرارية المشروع ومنح الفريق هوية واضحة داخل الملعب.

تدعيم نوعي للحفاظ على المكتسبات

يُعد الموسم الحالي التحدي الأكبر للحفاظ على منجزات العام الماضي، لذلك تحركت الإدارة لتدعيم الصفوف بعناصر محلية ومحترفين ذوي جودة عالية. تم استقطاب يوسف بن علي قادمًا من الريان، كما استعار العربي أمير دنقير من الغرافة لمدة موسم، وهو لاعب يعرف أجواء الفريق وسبق له تمثيله خليجيًا.

وانضم كذلك شبل إبراهيم قادمًا من السد، إلى جانب حسام رمان، وهما من العناصر الدولية الواعدة، في إطار استراتيجية واضحة تمزج بين الخبرة والطموح.

ومن أبرز الصفقات التعاقد مع لاعب الدائرة الشاب محمد ريان البلاقي ، أحد عناصر المنتخب القطري، والذي حظي بإشادة مدرب المنتخب فاليرو، في خطوة تعكس رغبة الإدارة في تأمين مستقبل الفريق، لا سيما مع تقدم بعض العناصر الأساسية في السن مثل ماريو توميك ويوسف بن علي.

صدارة مستحقة وتكامل في الرؤية

يضم الفريق حاليًا نخبة من اللاعبين المحليين المميزين، من بينهم وجدي سنان وأنيس الزواوي ونضال عيسى، إلى جانب عناصر مؤثرة أخرى. كما تمت استعارة لاعب برقان الكويتي ياسوهيرو لمدة أسبوع لخوض مواجهتي الريان والدخيل، ونجح العربي في حسم اللقاءين بأفضلية واضحة، لينفرد بصدارة ترتيب الدوري.

ولا يقتصر المشروع على الفريق الأول، بل يمتد إلى المراحل السنية، حيث يعمل النادي على استقطاب أفضل المواهب وتطويرها عبر أجهزة فنية مؤهلة، ما أثمر عن نجاحات لافتة. فقد توج فريق الأشبال بلقبي الدوري والكأس الموسم الماضي، فيما حقق فريق الناشئين لقب الدوري هذا الموسم دون أي خسارة، وسار فريق الشباب على النهج ذاته متصدرًا المسابقة دون هزيمة، وحقق اللقب قبل نهاية الدوري بجولة واحدة بدون خسارة حتى الان بينما يعتلي الفريق الأول الصدارة برصيد 15 نقطة، متقدمًا على أقرب منافسيه الريان بـ13 نقطة.

نموذج يُحتذى في الإدارة الرياضية

ما يقدمه العربي هذا الموسم ليس مجرد حصد ألقاب، بل نموذج إداري وفني متكامل يقوم على:
•⁠ ⁠استثمار احترافي في إعارات اللاعبين لتطويرهم وتقليل التكاليف.
•⁠ ⁠بناء قاعدة قوية من الفئات السنية لضمان الاستدامة.
•⁠ ⁠دعم اللاعب القطري ومنحه أدوارًا مؤثرة داخل المنظومة.
•⁠ ⁠الحفاظ على فلسفة لعب موحدة تربط جميع الفئات السنية بالفريق الأول.

خلاصة المشهد أن العربي القطري لا يعيش موسم نجاح عابر، بل يرسّخ مشروعًا متكاملًا يربط بين الحاضر والمستقبل، ويؤكد أن الاستثمار الذكي في المواهب، مقرونًا بإدارة مالية وفنية واعية، هو الطريق الأقصر نحو التفوق المستدام في كرة اليد القطرية

وبالتالي، يقدّم النادي العربي القطري نموذجًا متكاملًا في إدارة كرة اليد، قائمًا على رؤية استراتيجية بعيدة المدى تجمع بين التخطيط المالي الذكي، والاستثمار الفني المدروس، وبناء قاعدة قوية من الفئات السنية. ما تحقق في موسم 2025-2026 لم يكن مجرد نتائج إيجابية أو صدارة جدول، بل انعكاس مباشر لفلسفة واضحة تؤمن بأن الاستدامة تبدأ من الداخل، عبر تطوير المواهب المحلية، والاستفادة المثلى من خبرات المحترفين.

العربي اليوم لا ينافس فقط على البطولات، بل يرسّخ هوية مؤسسية متماسكة تربط بين الفريق الأول وبقية المراحل السنية، وتوازن بين الحاضر والمستقبل، إنها قصة مشروع متكامل يؤكد أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الألقاب فحسب، بل بقدرة النادي على صناعة منظومة قادرة على الاستمرار والتفوق لسنوات طويلة في كرة اليد القطرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com