لماذا تتعثر بعض الأندية في تحقيق أهداف وزارة الرياضة؟ قراءة تحليلية في أسباب تقليص الألعاب وتفاوت الهيكلة بين الأندية

في لقاء جمعني بالمعلّق الرياضي المتميز زهير الضامن نقاش عميق حول واقع الأندية الرياضية في المملكة، في وقت تعيش فيه الرياضة السعودية مرحلة ذهبية من حيث الإدارة، والدعم، والحوكمة، والاهتمام الكبير بتطوير المنظومة. ورغم هذا الزخم، يبرز سؤال محوري يستحق الطرح بوضوح ومسؤولية: هل استوعبت الأندية فعلاً أهداف وزارة الرياضة وتعمل على تحقيقها، أم أن جزءًا منها ما زال بعيدًا عن هذه الأهداف، يسير بخطى لا تتناسب مع حجم التحول الوطني؟
هذا السؤال لم يأتِ من فراغ، بل من قراءة دقيقة للفجوة بين ما تقدمه الوزارة من أدوات تطوير، وما تطبّقه بعض الأندية على أرض الواقع.
وبناءً على متابعة مستمرة ودراسة معمّقة لمشهد الحوكمة الرياضية، يمكن القول إن هناك أندية بدأت بالفعل في استيعاب توجهات وزارة الرياضة. فقد طوّرت هياكلها الإدارية، وفعّلت برامج الفئات السنية، ورفعت مستوى الاحترافية في العمل اليومي. هذه الأندية تسير بخطوات متقاربة مع رؤية الوزارة، وتظهر عليها مؤشرات التغيير الإيجابي.
في المقابل، ما زالت أندية أخرى تواجه صعوبة في مواكبة هذه الأهداف، وتبدو بعيدة نسبيًا عن متطلبات المرحلة. ومن أبرز مظاهر هذا التعثر إغلاق بعض الألعاب الجماعية والفردية، وهو مؤشر يعكس مشكلات أعمق تتعلق بالاستدامة والحوكمة والإدارة.
أول الأسباب يتمثل في ضعف الاستدامة المالية. فبعض الأندية تفتقر إلى مصادر دخل ثابتة، مما يدفعها إلى اتخاذ قرارات قصيرة المدى، مثل تقليص عدد الألعاب والتركيز على كرة القدم فقط تحت ضغط الإعلام والجماهير، وإهمال الألعاب التي لا تحقق عائدًا ماليًا مباشرًا رغم أهميتها. هذه الممارسات تكشف غياب التخطيط المالي طويل المدى، وهو ما يتعارض مع توجهات الوزارة نحو الاستدامة.
كما تعاني بعض الأندية من تغيّر إداري متكرر ونقص في الكفاءات المتخصصة، وهو ما يؤدي إلى غياب رؤية استراتيجية واضحة، وتوقف المشاريع قبل اكتمالها، واختلاف الأولويات بين إدارة وأخرى، واتخاذ قرارات قصيرة المدى بدل بناء منظومة متكاملة. ويضاف إلى ذلك غياب مديرين رياضيين متخصصين لكل لعبة، وضعف برامج تطوير المواهب، مما يجعل النادي غير قادر على بناء منظومة متعددة الألعاب أو الالتزام بخطط الوزارة التي تعتمد على الاستمرارية والحوكمة.
وتبرز أيضًا مشكلة ضعف الحوكمة، حيث ما زالت بعض الأندية تفتقر إلى مؤشرات أداء واضحة، وإدارة فعّالة للموارد البشرية، وخطط تشغيلية للألعاب المختلفة. هذه الفجوات تجعل الأندية بعيدة عن متطلبات الوزارة التي تعتمد على حوكمة صارمة لضمان جودة التشغيل.
ومن خلال متابعة موضوعية لواقع الأندية، يتضح أن معالجة هذه الإشكالية تتطلب تنويع مصادر الدخل بدل الاعتماد على الدعم فقط، وتثبيت الإدارات وتطبيق خطط طويلة المدى، وتطوير الكفاءات الإدارية وتعيين مديرين متخصصين لكل لعبة، وتفعيل الحوكمة عبر مؤشرات أداء واضحة وخطط تشغيلية، وتعزيز ثقافة النادي تجاه الألعاب المختلفة وليس كرة القدم فقط. هذه الخطوات ليست سهلة، لكنها ضرورية لتحقيق التحول المؤسسي الذي تستهدفه وزارة الرياضة.
ومن المهم الإشارة إلى أن الأندية ليست متشابهة، فهي تختلف في الحجم والموارد والبنية الإدارية والثقافة الداخلية والموقع الجغرافي وعدد الألعاب والممتلكات. وبالتالي، من الصعب تطبيق برنامج الحوكمة على جميع الأندية بالمعايير نفسها دون مراعاة هذا التباين.
وفي خضم هذا التحول، يبرز موضوع دمج العمل الأولمبي والاحترافي كأحد المسارات المستقبلية المهمة. فالدمج لا يعني الخلط أو إلغاء الفروق، بل يعني التكامل الذكي بين مسارين مختلفين في الهدف، متقاربين في البنية. العمل الأولمبي يصنع القاعدة ويركز على المواهب ويعتمد على شراكات مع المدارس والجامعات والأكاديميات، بينما العمل الاحترافي يصنع القيمة السوقية ويركز على التنافسية والرعايات والموارد المالية. وعندما يلتقيان في منظومة واحدة، يصبح النادي أكثر قوة واستدامة وحوكمة.
في النهاية، تعيش الرياضة السعودية تحولًا تاريخيًا، لكن نجاح هذا التحول يعتمد على قدرة الأندية على استيعاب أهداف الوزارة وتطبيقها بفعالية. وبين أندية تسير بثبات نحو المستقبل، وأخرى ما زالت عالقة في أنماط إدارية قديمة، تتشكل ملامح المرحلة المقبلة للرياضة السعودية.
بقلم : بروفسور عبد العزيز المصطفى







