من الحلم المؤجل إلى التتويج التاريخي… البحرين على عرش آسيا

امتداد الأجيال من (بيروت 2010 إلى مجد الكويت 2026)
كتب – جاسم الفردان
في الكويت، وعلى أرضٍ عُرفت بتاريخها الرياضي وجماهيرها العاشقة لكرة اليد، كتب المنتخب البحريني فصلًا جديدًا في تاريخه، وتوّج بلقب بطولة آسيا لكرة اليد للرجال في نسختها الـ22 – الكويت 2026، محققًا أول لقب قاري في مسيرته، بعد سنوات طويلة من المحاولات والانتظار.
لم يكن هذا التتويج وليد مباراة نهائية فحسب، بل حصيلة رحلة طويلة من العمل، والنضج الفني، والقراءة الذكية لكل محطة في البطولة، منذ الدور التمهيدي وحتى منصة التتويج.
الدور التمهيدي (بداية قوية ورسائل مبكرة)
استهل المنتخب البحريني مشواره في البطولة ضمن المجموعة الأولى التي ضمت منتخبات الأردن، الصين، والعراق، ونجح “المحاربون” في فرض أفضليتهم مبكرًا، محققين العلامة الكاملة بثلاثة انتصارات مقنعة:
• فوز على الأردن بنتيجة 32–21
• فوز عريض على الصين بنتيجة 40–29
• انتصار كاسح أمام العراق بنتيجة 34–18
أداء اتسم بالانضباط الدفاعي، وسرعة التحول، وتنوع الحلول الهجومية، ليعبر المنتخب البحريني إلى الدور الرئيسي متصدرًا مجموعته بثقة واستحقاق.
الدور الرئيسي (حسابات البطولة وذكاء المرحلة)
في الدور الرئيسي، وجد المنتخب البحريني نفسه في مجموعة قوية إلى جانب منتخبات قطر، السعودية، والإمارات، وهي مرحلة تطلبت إدارة دقيقة للمباريات والنتائج.
• فاز البحرين على الإمارات بنتيجة 32–20
• وحقق فوزًا مهمًا على قطر بنتيجة 31–28
• بينما خسر أمام السعودية بنتيجة 23–21
ورغم الخسارة، إلا أن المنتخب البحريني تعامل مع المواجهة بعقلية تكتيكية عالية، هدفت إلى ترتيب مسار التأهل وتفادي مواجهة منتخب الكويت، صاحب الأرض والجمهور، في الدور نصف النهائي. قراءة ذكية للمشهد، أكدت أن البحرين لا تلعب مباراة واحدة، بل تلعب بطولة كاملة.
نصف النهائي (رد الاعتبار واستعادة الهيبة)
وضعت نتائج الدور الرئيسي المنتخب البحريني في مواجهة منتخب اليابان، الخصم الذي أقصى البحرين في نسخة آسيا 2024 بالمنامة.
لكن في نسخة الكويت 2026، كان المشهد مختلفًا. دخل “المحاربون” المواجهة بتركيز عالٍ، وانضباط تكتيكي، ورغبة واضحة في رد الاعتبار، ليقدموا واحدة من أفضل مبارياتهم في البطولة، ويحسموا اللقاء لصالحهم بنتيجة 35–25، معلنين العبور إلى النهائي عن جدارة.
النهائي (كسر الهيمنة وكتابة التاريخ)
في المواجهة الختامية، تكرر السيناريو من الدور الرئيسي، واصطدم المنتخب البحريني مجددًا بـالمنتخب القطري، الفريق الذي هيمن على البطولات الآسيوية خلال العقد الأخير.
مباراة حبست الأنفاس، امتدت إلى الوقت الإضافي، وتطلبت أعصابًا باردة وحسمًا في التفاصيل الصغيرة. ومع ارتفاع منسوب الضغط، أظهر المنتخب البحريني شخصية البطل، وتفوق في اللحظات الحاسمة، ليحسم اللقاء بنتيجة 28–26 بعد الوقت الإضافي، ويعتلي منصة التتويج لأول مرة في تاريخه.
امتداد الأجيال من بيروت إلى الكويت
لم يكن تتويج البحرين حدثًا معزولًا عن الماضي، بل امتدادًا لمسيرة طويلة بدأت ملامحها منذ بيروت 2010، حين كان المنتخب البحريني يضم أسماءً وضعت الأساس الأول للحلم الآسيوي، من بينهم سعيد جوهر، جعفر عبدالقادر، مهدي مدن، ومحمود عبدالقادر صادق علي ومحمد ميرزا وعلي ميرزا وأسماء اخرى قد اعتزلت.
ومع تعاقب البطولات، برز جيل آخر حمل المشروع على عاتقه لسنوات طويلة، وتميّز بالاستمرارية والعطاء، يتقدمهم محمد ميرزا، علي ميرزا، حسن السماهيجي، صادق علي، ومحمد علي ميرزا، الذين ظلوا مع المنتخب حتى نسخة 2024، وقدموا الكثير داخل الملعب، وتحملوا ضغوط النهائيات وخيبات المحاولات المتكررة، وكانوا حلقة الوصل بين جيل البدايات والأجيال اللاحقة.
وفي نسخة 2024 تواجد أيضًا محمد عبدالرضا ميرزا ومهدي سعد ضمن التشكيلة، قبل أن تشهد بطولة الكويت 2026 ابتعاد هذه الأسماء عن القائمة، في إطار عملية الإحلال والتجديد، دون أن يُقلل ذلك من قيمة دورهم في بناء الأساس الفني والذهني الذي ارتكز عليه المنتخب المتوَّج.
أما من بقي من جيل البدايات حتى لحظة المجد، فكانوا حسين الصياد، محمد عبدالحسين، الذين عايشوا الرحلة منذ بداياتها، وشهدوا تحوّل الحلم المؤجل إلى حقيقة، فيما حضر بعض رفاق الدرب لدعم المنتخب من المدرجات أو خلف الكواليس، في مشهد وفاء جسّد تلاحم الأجيال بدافع وطني امتداداً ٢٠١٠.
وهكذا، جاء لقب آسيا 2026 تتويجًا لمسيرة وطن، لا إنجاز جيل واحد، مسيرة بدأت بمحاولات متتالية في بيروت 2010، البحرين 2014 و2016، كوريا الجنوبية 2018، والدمام 2022، قبل أن تكتمل أخيرًا في الكويت، حيث كتب المنتخب البحريني اسمه بمداد الذهب في سجل أبطال القاري.
جيل البحرين الذي صنع التاريخ في الكويت 2026
شهدت كرة اليد البحرينية لعام 2026 ولادة فريق متكامل، يجمع بين الخبرة والطاقات الشابة الواعدة، ليصنع تاريخًا آسيويًا جديدًا ويضع البحرين على خارطة القارة بجدارة.
في قلب الفريق، يقف حسين الصياد، صانع اللعب وهداف المنتخب منذ 2010، رمز القيادة والذكاء التكتيكي. رؤيته السريعة للملعب وتحكمه بإيقاع المباريات وقدرته على صناعة الفرص في اللحظات الحاسمة جعلت منه المحرك الأساسي وراء الانتصارات التاريخية، وصولًا إلى تحقيق اللقب القاري الأول.
أما الحارس محمد عبدالحسين، فقد كان العمود الدفاعي للفريق، بتصديات استثنائية وقراءة دقيقة لتحركات المنافسين، ليصبح خط الدفاع الأول وواحدًا من رموز كرة اليد البحرينية.
الواعد محمد حبيب الناصر أضاف بعدًا هجوميًا جديدًا، بصناعة اللعب واختراق الدفاعات وتصويباته القوية، فيما شكل محمد حبيب ركيزة متعددة الاستخدامات، يجمع بين القوة الدفاعية والقدرة على اللعب في أكثر من مركز، ليكون عنصرًا أساسيًا في كل فترات المباراة.
ولم يكتف الفريق بالنخبة، بل تألقت مجموعة مكملة عززت ثقل المنتخب، من الجناح الأيمن أحمد رضا، عبدالله عبدالكريم وسلمان الشويخ، إلى الجناح الأيسر قاسم قمبر ومحمود حسين، مرورًا بالعمق الدفاعي ومركز الدائرة علي باسم ومحمد علي، وأداء دفاعيًا مميزًا من هشام الاستاد يشبه تأثير الحارس عبدالحسين.
ويقود هذه المنظومة المتكاملة المدرب السويدي جونار روبرت هيدن، الذي حوّل قدرات النجوم إلى أداء جماعي متكامل من خلال خطط تكتيكية دقيقة، صلابة دفاعية، وتدوير ذكي بين اللاعبين، ليحقق أول لقب قاري في مسيرته التدريبية. إلى جانبه، لعب المدربان البحرينيان أمين القلاف وعلي حسين دورًا محوريًا في متابعة التفاصيل الدقيقة للمباريات، فكانا خير معاونين يضمنان تنفيذ كل خطة بحرفية كاملة.
ولا يقل عن ذلك دور العمل الإداري، الذي امتلك خبرة سنوات طويلة في المنافسة على اللقب وساهم بتنظيم كل تفاصيل البطولة، ليكتمل المشهد بفوز البحرين باللقب الآسيوي.
بهذا التوازن بين الخبرة والطاقات الشابة، بقيادة جهاز فني وإداري متكامل، أصبح المنتخب البحريني بحق “المحاربون الآسيويون”، قوة لا تُقهر صنعت التاريخ ومهدت الطريق لمستقبل واعد لكرة اليد البحرينية.






