التحكيم بين ثقافة العمل الجماعي وضرورة استعادة المرجعية

الاستئناس بآراء الآخرين في أي منظومة عمل ليس ترفًا، بل عنصرًا أساسيًا في تطوير الأداء وتعزيز جودة القرارات. فالعمل الجماعي بطبيعته يقوم على تبادل الخبرات وتعدد وجهات النظر، دون المساس بالأفراد أو التشكيك في نواياهم. النقد المهني، حين يُمارس بروح تطويرية، يصبح قيمة مضافة لا تهديدًا، ولذلك فإن ما يطرحه المختصون من ملاحظات أو رؤى يُعد أمرًا محمودًا يسهم في تحسين المنظومة ككل.
وفي كل بطولة، يتكرر المشهد ذاته: جدل تحكيمي، انتقادات واسعة، وتشكيك في القرارات. وغالبًا ما ينحصر النقاش في لقطة مثيرة أو تقدير لم يوفق فيه الحكم، بينما يتم تجاهل الجذور الأعمق للمشكلة. فالتحكيم، بطبيعته، ليس معصومًا من الأخطاء، لأنها جزء من اللعبة، لكن المنظومات الرياضية المتقدمة تدرك أن الخطأ الفردي ليس هو ما يصنع الأزمة، بل غياب البيئة التي تمنح الحكم القدرة على اتخاذ القرار بثقة واتساق.
التحكيم يبدأ بالتراجع حين تغيب المرجعية الفنية التي توحّد التفسير وتضبط الفهم وتوفر للحكم إطارًا واضحًا يستند إليه. وجود خبير تحكيمي معتمد وذو خبرة واسعة ليس مجرد عنصر إضافي، بل هو ركيزة أساسية في أي منظومة تسعى إلى التطوير. وعندما يتم إبعاد مثل هذه الخبرات، فإن الفراغ الفني الناتج لا ينعكس فقط على مستوى القرارات، بل على ثقة الحكام أنفسهم، خصوصًا في المواقف التي تتطلب وضوحًا في التفسير ودعمًا في اتخاذ القرار.
وفي البطولات الكبرى، لا تُحسم المباريات داخل الملعب فقط، بل تُحسم قبل ذلك في قاعات الشرح، وفي توحيد الرؤية الفنية، وفي إعداد الحكم نفسيًا وفنيًا. غياب هذا الإعداد يؤدي إلى تعدد التفسيرات، وزيادة الأخطاء، وتحويل الحكم إلى هدف سهل للنقد، رغم أنه في كثير من الأحيان يعمل ضمن منظومة لا توفر له الأدوات الكافية.
الأثر الأعمق يظهر لدى الحكام الشباب، الذين قد تصلهم رسالة غير مباشرة مفادها أن المعرفة لا تمنح الأمان، وأن التميز قد يُفهم على أنه عبء، وأن التحفظ هو الخيار الأكثر أمانًا. مثل هذه الرسائل لا تصنع حكمًا واثقًا، ولا تبني منظومة قادرة على التطور.
الإصلاح الحقيقي في التحكيم لا يتحقق بالشعارات أو القرارات الإدارية المجردة، بل ببناء بيئة تحترم المرجعية، وتستفيد من الخبرات، وتدعم الحكم قبل أن تحاسبه. فالمباريات يمكن أن تُدار دون وجود خبير مرجعي، لكن التحكيم لن يتقدم في غيابه. وإذا استمر تغييب من يمتلك القدرة على قراءة القانون وتفسيره، فإن المشكلة لن تكون دائمًا في الحكم داخل الملعب، بل في القرارات التي تُتخذ خارجه.
إن تطوير التحكيم يتطلب رؤية واضحة، واستثمارًا في الخبرة، وإيمانًا بأن الحكم القوي هو نتاج منظومة قوية. وعندما تتوفر هذه العناصر، يصبح الخطأ جزءًا من اللعبة، لا عنوانًا للأزمة، ويصبح النقد وسيلة للتطوير لا أداة للاتهام.
برفسور عبدالعزيز المصطفى






