كرة اليد الآسيوية| محطات تاريخية وتحولات تنافسية
كوريا القوة الأبرز واليابان شارك قبل التأسيس والكويت غيرت الموازين وقطر أمتلك الألفية الجديدة

كتب – جاسم الفردان
برز اسم الشيخ فهد الأحمد الجابر الصباح، ممثل دولة الكويت في دورة الألعاب الآسيوية السابعة التي أُقيمت في طهران عام 1974، كواحد من الشخصيات البارزة التي دفعت بقوة نحو تأسيس الاتحاد الآسيوي لكرة اليد.
قام الشيخ فهد بطرح مبادرة جريئة أمام اللجنة التنفيذية لاتحاد الألعاب الآسيوية، داعياً لتأسيس كيان قاري مكرس لهذه الرياضة، لم يكتفِ بهذا الإعلان فقط، بل تحمل مسؤولية قيادته من البداية كرئيس مؤقت، ووضع حجر الأساس من خلال تنظيم اجتماعات التأسيس والعمل على صياغة اللوائح والنظم الأساسية بشكل حديث ومدروس، مما ساهم بشكل كبير في تحقيق إنجاز تاريخي تمثل في إنشاء الاتحاد.
مع انطلاق العمل الفعلي للاتحاد الآسيوي لكرة اليد بعد عام 1974، جرى الاتفاق على مجموعة من المحاور الرئيسية التي تمثل استراتيجية متكاملة لبناء قاعدة راسخة على مستوى القارة بهدف تطوير اللعبة:
أولاً: إطلاق بطولة آسيوية رسمية للعبة، كان من بين أولى الخطوات الرئيسية تنظيم أول بطولة آسيوية لكرة اليد للرجال عام 1977 في الكويت، والتي لم تقتصر فقط على المنافسة الرياضية بل وضعت أسسًا لاستمرارية مثل هذه البطولات بشكل منتظم حتى يومنا هذا.
فضلاً عن ذلك، تُوجت الكويت بمثابة المقر الدائم لهذا الاتحاد الرياضي القاري.
ثانيًا: تعزيز التأهيل للمشاركات الدولية، تم الاتفاق على اعتماد البطولة الآسيوية كمحطة رئيسية للتأهل إلى بطولتي كأس العالم ودورة الألعاب الأولمبية، وهو ما منحها أهمية إضافية وساهم في تشكيل حلقة وصل مباشرة بين الاتحاد الآسيوي والهيئات الدولية المعنية برياضة كرة اليد.
ثالثًا: توحيد القواعد والأنظمة، ركز الاتحاد منذ البداية على مواءمة اللوائح والقوانين التنظيمية للبطولة مع تلك المعمول بها في الاتحاد الدولي لكرة اليد، مما ساهم في تحقيق الاستمرارية والمعايير الموحدة.
رابعًا: نشر وتعميم اللعبة في جميع دول آسيا، تضمنت استراتيجيات الاتحاد تقديم الدعم المكثف للدول الناشئة في مجال كرة اليد وتشجيعها على الانخراط في الأنشطة القارية، لتحقيق هذا الهدف، ساهم الاتحاد في تقديم الموارد اللازمة مثل المدربين والخبراء، بالإضافة إلى تنظيم دورات تدريبية تخصصت في التوجيه الفني والتحكيم والإدارة.
خامسًا: تعزيز القدرة التنظيمية والإدارية للاتحاد الآسيوي، عمل الاتحاد منذ نشأته على إنشاء لجان متعددة ومختصة تهتم بالجانب الفني، وشؤون التحكيم، وتنظيم المسابقات، بالإضافة إلى تركيزه على تطوير أعضائه ليكون لهم تواجد قوي ومناسب داخل أروقة الاتحاد الدولي لكرة اليد. الاستفادة من خبرات الدول المتقدمة في اللعبة ودمج آسيا بشكل أفضل مع الخارطة الدولية للرياضة.
تلك المحاور كانت بمنزلة خريطة طريق مصممة بعناية لتحقيق النقلة النوعية المطلوبة لكرة اليد في القارة، وفعلاً أصبحت هذه الخطوات الرصينة القوة الدافعة لنمو اللعبة وتطورها حتى باتت ذات مكانة ملحوظة على المستويات الإقليمية والعالمية.
مع ذلك كانت بطولة العالم انطلقت في المانيا عام 1938 رغم إشهار الاتحاد الدولي عام 1946 في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن بمشاركة ألمانيا والنمسا والسويد إلى جانب الدنمارك واستمرت هذه البطولة حصرا على أوروبا حتى عام 1958 ايضا في ألمانيا الشرقية بمشاركة ١٥ منتخب من أوروبا إلى جانب المنتخب البرازيلي الذي حصل على بطاقة دعوة، لكن عام 1961 في البطولة الرابعة في ألمانيا الغربية تراجع عدد المنتخبات المشاركة إلى ١٢ منتخبا في الوقت نفسه شهدت هذه البطولة أول مشاركة آسيوية ممثلة في المنتخب الياباني الذي أنهى مشاركته الأولى في المركز الأخير، وكذلك في البطولة الخامسة التي شهدت وجود اليابان للمرة الثانية إلى جانب المنتخب المصري لأول مرة ممثلا القارة الصفراء والدول العربية لأول مرة، كان المنتخب الياباني واصل مشاركاته إلى خمس مشاركات جميعها ببطاقة دعوة، قبل أن يجمع ١٥ مشاركة مع مشاركته في تصفيات عن شرق وغرب آسيا وفي ما بعد بطولة آسيا لكرة اليد للرجال المؤهلة لكأس العالم وهي البطولة الرسمية والمعتمدة من قبل الاتحاد الآسيوي عام 1977.
من هنا، تجدر الإشارة، إلى أن المنتخبات الآسيوية مرت على ثلاث مراحل المرحلة الأولى قبل تأسيس الاتحاد الآسيوي والذي أعتمد فيها الاتحاد الدولي على توجيه الدعوات للمشاركة في بطولات العالم ،وبجانب الدول الأوروبية مشاركة ثلاث قارات بالدعوات آسيا (اليابان) أفريقيا (مصر) امريكا الجنوبية (البرازيل) وشارك المنتخب الياباني في خمس نسخ 1961 حتى النسخة التاسعة 1978 في الدنمارك.
أما المرحلة الثانية. وهي تقسيم القارة الآسيوية إلى شرق وغرب، وكانت منتخبات شرق آسيا بين اليابان وكوريا الجنوبية والصين، فيما كانت منتخبات غرب آسيا متمثلة في منتخبات الخليج الكويت والبحرين وقطر والسعودية والإمارات وعمان، وكانت حصيلة هذا النظام الجديد تأهل اليابان عن شرق آسيا والكويت عن غرب آسيا اذ ان الاتحاد الدولي إعتمد مقعدين فقط للقارة الآسيوية للمشاركة في بطولة العالم 1982 في ألمانيا الغربية.
اليابان وكوريا البدايات والكويت كسر الهيمنة
منذ انطلاق تنظيم الاتحاد الآسيوي لبطولة آسيا لكرة اليد للرجال عام 1977، شهدت القارة تطورًا كبيرًا في مستويات المنتخبات المتنافسة، المنتخب الياباني كان من أبرز المستفيدين، حيث أستغل خبراته المتراكمة من مشاركاته في كأس العالم لكرة اليد في خمس مناسبات متتالية منذ عام 1961، ليحقق أول لقبين آسيويين له بفضل تطوره الفني وجهوده المستمرة التي توجها حتى عام 1978، بعد ذلك، هيمن المنتخب الكوري الجنوبي على الساحة الآسيوية، محققًا سلسلة من الألقاب من أول تتويج له وكانت في عام 1983 حتى عام 2000. ومع ذلك، تمكن المنتخب الكويتي من كسر هذه الهيمنة بتحقيقه لقب النسخة الثامنة عام 1995 عندما استضاف البطولة على أرضه، كاد الكويت أن يعيد الكرة لكنه خسر نهائي بطولة 2000 أمام كوريا، إلا أن المنتخب الكويتي عاد بقوة ليحرز ثلاثة ألقاب آسيوية متتالية في نسخ 2002 في أصفهان، 2004 في قطر، و2006 في تايلاند، بفضل إمتلاكه لجيل ذهبي يتمتع بالقوة والتنظيم والمهارات العالية.
رغم عودة الكويت كقوة بارزة، فقد خسرت نهائي نسخة 2008 مكرر أمام كوريا الجنوبية في أصفهان، ليعود الكوريون للواجهة و يحصدون ألقاب عامي 2009 و2010.

وبفترة امتدت من عام 1977 حتى 2012، أثبت المنتخب الكوري الجنوبي سيطرته على كرة اليد الآسيوية بتتويجه بتسعة ألقاب مستحقة، مستفيدًا من تطوره على الساحة العالمية، من ناحية أخرى، ساهمت المنافسات الآسيوية القوية في تقدم مستوى اللعبة بمنطقة الخليج، حيث بدأ المنتخب الكويتي كسر احتكار منتخبات شرق آسيا مثل اليابان وكوريا الجنوبية خلال نهاية تسعينيات القرن الماضي.

مع مطلع الألفية الجديدة، انطلق منتخب جديد يفرض هيمنته وهو منتخب قطر، الذي توج بخمسة ألقاب آسيوية متتالية منذ عام 2014، يذكر أن هذه النجاحات بدأت بلقبه الأول في البحرين عام 2014 وعلى حساب المنتخب البحريني، حيث حُسم جميع النهائيات لصالح قطر في الأعوام 2014، 2016، 2018، و2022، المنتخب القطري برز كأقوى فريق وأكثر تنظيمًا خلال تلك النهائيات بفضل وجود خيارات فنية متعددة وأداء تكتيكي مميز.

أما البحرين، فعلى الرغم من خسارته لجميع النهائيات أمام قطر، إلا أنه استطاع حجز مكانه الدائم في كأس العالم بداية من تصفيات بيروت 2010 واستمرارًا إلى آخر نسخة في الدنمارك عام 2025.
شهدت ساحة كرة اليد تحولات واسعة امتدت على مدار عقود، تميزت بالعمل الجاد والمثابرة والصبر المتواصل، إلى جانب التماس المباشر مع مختلف الأنماط التنافسية واكتساب الخبرات المتنوعة، هذه التحركات الديناميكية قادتنا إلى تسليط الضوء على مجموعة من المنتخبات التي أثبتت قدرتها على تغيير خارطة الأبطال في رياضة كرة اليد
.
منتخبات أخرى قادرة على تغيير خريطة الأبطال
على سبيل المثال، المنتخب السعودي الذي يشكل قوة لا يُستهان بها في هذا المجال، نظراً لما يمتلكه من إمكانيات مميزة واستعداد للارتقاء بمستواه التنافسي ووصول في أكثر من مناسبة إلى نهائيات كأس العالم، ولو لم يحقق اللقب فالأمر لا يبدو مستحيلا في المحاولات القادمة، ولا يمكن تجاهل المنتخب الإيراني الذي طالما كان منافساً عنيداً على الساحة وعناصر قوية بعضها له تجارب احترافية في الدوريات الأوروبية، بما يحمل من خبرات وإصرار يمنحانه إمكانية العودة القوية إلى المنافسة الدولية.

كذلك، يبرز المنتخب الصيني كقوة صاعدة من شرق آسيا، بعد أن أظهر تطوراً ملحوظاً في أدائه خلال النسختين الماضيتين من المنافسات القارية، ما يعزز مكانته بين الأفضل إقليميا، وعلى الجانب الآخر، يعمل المنتخب الإماراتي بجدية لتطوير منظومته الرياضية من خلال مواكبة أحدث التطورات واستقطاب عدد من اللاعبين ذوي الكفاءة العالية المشمولين ضمن اللوائح الدولية للعبة. الجدير بالذكر أن هذا المنتخب سبق له أن وصل إلى نهائيات كأس العالم في النسخة السادسة عشرة التي استضافتها البحرين عام 2014، ورغم ذلك، لم يتمكن من المشاركة في هذا المحفل العالمي لأسباب داخلية خاصة.
هذا المنطلق، يمكن القول إن المنتخبات الوطنية تعمل بشكل مستمر وجهد دؤوب لمواكبة التطورات المتسارعة في لعبة كرة اليد الحديثة. إنها تسعى بكل ما أوتيت من قوة لتحقيق التميز وصنع إنجازات جديدة تعزز مكانتها على الساحة العالمية. التحسين المستمر والتطوير هما السلاحان الرئيسيان لهذه المنتخبات التي تبذل قصارى جهدها لتكون جزءاً من الكبار في عالم لعبة كرة اليد الأكثر قوة وإثارة.






